05 - 04 - 2026

ترامب رجل كاذب بامتياز | حين يصبح الخطاب الرئاسي أداةً للتضليل

ترامب رجل كاذب بامتياز | حين يصبح الخطاب الرئاسي أداةً للتضليل

ترامب هو مرشح نوبل الوحيد .. للكذب وجرائم الحرب.

في ستة أشهر فقط من ولايته الثانية، أشعل دونالد ترامب ثلاث حروب أو كاد: أسقط فنزويلا باحتلال عسكري مباشر، وشنّ على إيران حربين في أقل من عام، وهدّد باحتلال كوبا، وأعلن مراراً نيته ضم كندا وابتلاع غرينلاند. رجل بهذا السجل الحربي في هذا الزمن القصير لم يكتفِ بكل هذا، بل طالب علناً بالحصول على جائزة نوبل للسلام.

جائزة نوبل للسلام.. دعوا هذه الجملة تستقر في الأذهان.

إن كان لا بد من جائزة نوبل، فلتُستحدث فئة جديدة: جائزة نوبل لأكثر الحكام كذباً وأكثرهم ارتكاباً لجرائم الحرب. وفي تلك الحالة، لن يجد أحد أحق بها من ترامب وشريكه المطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم الحرب، بنيامين نتنياهو. ثنائي لم يجمعهما الصدفة، بل جمعتهما مصلحة واحدة: الحرب باسم الأمن، والدمار باسم الحضارة، والكذب باسم القيادة.

ليس المشكلة أن يُخطئ رئيس. الخطأ إنساني، والسياسة ميدان للمراجعة والتصحيح. المشكلة أن يقف رئيس أمام مئتين وسبعين مليون مواطن، وأمام العالم بأسره، فيُلقي خطاباً يتناقض مع نفسه في الفقرة ذاتها، ثم تأتي الوقائع لتفضحه قبل أن يجف الحبر.

ما شهدناه في خطاب ترامب الأخير لم يكن سوء تقدير ولا توظيفاً سياسياً مقبولاً. كان كذباً منهجياً ومتراكباً، من رجل اعتاد أن يكون الواقع خادماً لروايته لا العكس.

التناقض والتخريف في جملة واحدة.،

قال ترامب إن أمريكا وإسرائيل دمّرتا البرنامج النووي الإيراني تدميراً كاملاً. ثم قال في الخطاب ذاته إن المواد النووية "مدفونة ولا تستطيع إيران الوصول إليها". فأيهما صحيح؟ إما أن البرنامج دُمِّر، وإما أن المواد لا تزال موجودة مدفونة تحت الأرض. الجمع بين الادعاءين كذب في أحدهما على الأقل، وربما في كليهما.

وقال إن القدرات الصاروخية الإيرانية أُنهيت. فردّت إيران بعد ساعات من انتهاء الخطاب بأكبر ضربة صاروخية تطال إسرائيل ودولاً خليجية في آنٍ واحد. الصواريخ التي أُعلن إتلافها كانت تحترق في السماء فوق تل أبيب والمنامة في الوقت الذي كان فيه المعلقون الأمريكيون يشرحون "الانتصار".

وقال إنه قضى على النظام الإيراني وحقق "تغيير النظام". لكن وكالات الاستخبارات الأمريكية ذاتها أفادت بأن الحرس الثوري خرج من هذه الحرب أكثر تماسكاً وأشد قبضةً على مفاصل الدولة الإيرانية. القتل بلا استراتيجية لا يُسقط أنظمة؛ بل يرسّخها حين يحوّل المقاومة إلى هوية.

الهدف الوحيد الذي تحقق: جرائم الحرب.،

من كل الأهداف المُعلنة، لم يتحقق سوى هدف واحد لم يُعلَن: تدمير البنية التحتية المدنية. مستشفيات استُهدفت. مدارس هُدمت. جامعات مُحيت. محطات طاقة وشبكات مياه تحوّلت إلى أنقاض. وبين الضحايا مئة وتسعة وسبعون طفلاً في مدارسهم، لقوا حتفهم تحت القصف. هذه ليست أضراراً جانبية. هذه، وفق كل معاهدات جنيف وقانون الحرب الدولي، جرائم حرب موثقة.

ويُضاف إلى ذلك لبنان، الذي يدفع ثمن حرب ليست حربه، حيث يتواصل التدمير الممنهج بالتوازي مع الساحة الإيرانية.

ثالثاً: الهروب المُزيَّن بالانتصار.

ثمة كذبة أخيرة لا يجب أن تمر دون توثيق: كذبة الخروج المنتصر. حين يعلن ترامب استعداده لوقف الحرب حتى لو استمر إغلاق مضيق هرمز، وحين يتسابق هو ونتنياهو على إعلان "اكتمال الأهداف"، فإن الترجمة الحقيقية لهذا الكلام هي شيء واحد: البحث عن مخرج. لكن المخرج لا يُباع للشعوب بوصفه هزيمة، بل يُغلَّف دائماً بورق الانتصار الوهمي.

الشعب الأمريكي يُقال له إن جنوده وأمواله حققت "إنجازاً تاريخياً". والواقع أن مضيق هرمز لا يزال شبه مغلق، وأن إيران تُطلق صواريخها، وأن الحرس الثوري أحكم قبضته، وأن الاقتصاد الأمريكي يئن من أسعار الطاقة. الانتصار الوحيد هو انتصار الرواية على الحقيقة، وهذا أخطر أنواع الخداع لأنه يُغلق باب المحاسبة.

التهديد الذي سيُحرق العالم.

أكثر ما في خطاب ترامب خطورةً لم يكن الكذب، بل كان التهديد. قال صراحةً إنه سيضرب محطات الطاقة وجزيرة خارك النفطية إذا لم تستسلم إيران. وخارك وحدها تمر عبرها نحو تسعين بالمئة من صادرات النفط الإيرانية. وأي ضربة لهذا المستوى ستجرّ رداً إيرانياً على منشآت الطاقة في الخليج بأسره، في منطقة تحمل ما يزيد على عشرين بالمئة من احتياطيات الطاقة العالمية.

بمعنى آخر: من يهدد بضرب هذه المنشآت لا يهدد إيران وحدها. يهدد الاقتصاد العالمي، ويهدد سلاسل الإمداد، ويهدد الفقراء في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية الذين سيدفعون ثمن ارتفاع أسعار الطاقة من أفواههم. المُجوِّع الحقيقي للبشرية في هذا السيناريو ليس إيران، بل من يُطلق هذه التهديدات من خلف مكتب بيضاوي.

ذريعة النووي.. فيلم رأيناه من قبل.

ادعاء امتلاك إيران سلاحاً نووياً وشيكاً هو الذريعة التي بُنيت عليها هذه الحرب. لكن وكالة الطاقة الذرية الدولية لم تؤكد هذا التوصيف قط. وقد سمعنا هذه الرواية من قبل: قيل لنا إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، ودُمِّر العراق. واليوم تُدمَّر إيران بالذريعة ذاتها، وبالأسلوب ذاته، وبالجهة المستفيدة ذاتها.

الفارق الوحيد أن الكذبة هذه المرة أكثر جرأة، لأن من يقولها يعرف أن أحداً لن يُحاسبه عليها في الوقت الراهن.

المستفيد الوحيد.. من حرّض ومن ربح

لن يستطيع أحد في العالم، أياً كان انتماؤه، أن يجادل في حقيقة يعرفها كل محلل سياسي جاد: المستفيد الأول والأخير من هذه الحرب هو إسرائيل. نتنياهو يحارب منذ عقود لإقناع واشنطن بضرب إيران، وكل مسيرته السياسية قامت على هذا الهدف. واللوبي الصهيوني في واشنطن أنفق مئات الملايين لتهيئة الكونغرس والإدارات المتعاقبة لهذه اللحظة.

حين بدأت الحرب، لم يُشارك فيها جندي إسرائيلي واحد في الخطوط الأمامية مع أمريكا. الطائرات الأمريكية تُقاتل، والجنود الأمريكيون في الخطر، والمال الأمريكي يُنفق، والاقتصاد العالمي يتداعى. أما إسرائيل فتجني الثمار: إيران مُنهَكة، ومحاورها مشتتون، ونفوذها الإقليمي متراجع. ثم حين ترتفع الكلفة، يعلن نتنياهو أن أهدافه اكتملت ويرمي الملف على واشنطن.

الفارق بين الحليف والمحرِّض واضح: الحليف يتقاسم العبء، أما المحرِّض فيتقاسم الغنيمة فقط.

وزراء ترامب بصبغة الشرق الأوسط

الظاهرة الأكثر إيلاماً ليست ترامب ذاته؛ فالتاريخ يعرف الزعماء النرجسيين ولا يُصنّفهم شذوذاً. الظاهرة الأشد مأساويةً هي منظومة المسؤولين من حوله، الذين تحوّلوا إلى نسخة أمريكية من وزراء الشرق الأوسط : التملق المطلق، والانحياز الكامل للشخص لا للمؤسسة، وتبرير ما يستحيل تبريره. حين يقف وزير دفاع دولة عظمى ليقول "يتكلف المال لقتل الأشرار" دفاعاً عن طلب مئتي مليار دولار دون حساب ولا رقابة، فإن المؤسسة الأمريكية ذاتها تكون في أزمة أعمق من رجل واحد.

الحروب تنتهي، والكذب يتراكم في سجلات التاريخ. وليس أمام الشعوب في نهاية المطاف إلا أن تقرأ هذه السجلات بعيون مفتوحة، لا بأعين من يريدها أن تصفّق لهزيمتها وهي تحسبها انتصاراً.
--------------------------------------
بقلم: عزّ الدين الهواري

مقالات اخرى للكاتب

ترامب رجل كاذب بامتياز | حين يصبح الخطاب الرئاسي أداةً للتضليل